الشوكاني

88

فتح القدير

منكرون ) ارتفاع قوم على أنه خبر مبتدإ محذوف : أي أنتم منكرون . قيل إنه قال هذا في نفسه ولم يخاطبهم به ، لأن ذلك يخالف الإكرام . قيل إنه أنكرهم لكونهم ابتدءوا بالسلام ولم يكن ذلك معهودا عند قومه ، وقيل لأنه رأى فيهم ما يخالف بعض الصور البشرية ، وقيل لأنه رآهم على غير صورة الملائكة الذين يعرفهم ، وقيل غير ذلك ( فراغ إلى أهله ) قال الزجاج : أي عدل إلى أهله ، وقيل ذهب إليهم في خفية من ضيوفه ، والمعنى متقارب وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات . يقال راغ وارتاغ بمعنى طلب ، وماذا يريغ : أي يريد ويطلب ، وأراغ إلى كذا : مال إليه سرا وحاد ( فجاء بعجل سمين ) أي فجاء ضيفه بعجل قد شواه لهم كما في سورة هود - بعجل حنيذ - وفي الكلام حذف تدل عليه الفاء الفصيحة : أي فذبح عجلا فحنذه فجاء به ( فقربه إليهم ) أي قرب العجل إليهم ووضعه بين أيديهم ف‍ ( قال ألا تأكلون ) الاستفهام للإنكار ، وذلك أنه لما قربه إليهم لم يأكلوا منه . قال في الصحاح : العجل ولد البقر ، والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة ، وقيل العجل في بعض اللغات الشاة ( فأوجس منهم خيفة ) أي أحس في نفسه خوفا منهم لما لم يأكلوا مما قربه إليهم . وقيل معنى أوجس أضمر ، وإنما وقع له ذلك لما لم يتحرموا بطعامه ، ومن أخلاق الناس أن من أكل من طعام إنسان صار آمنا منه ، فظن إبراهيم أنهم جاءوا للشر ولم يأتوا للخير . وقيل إنه وقع في قلبه أنهم ملائكة ، فلما رأوا ما ظهر عليه من أمارات الخوف ( قالوا لا تخف ) وأعلموه أنهم ملائكة مرسلون إليه من جهة الله سبحانه ( وبشروه بغلام عليم ) أي بشروه بغلام يولد له كثير العلم عند أن يبلغ مبالغ الرجال ، والمبشر به عند الجمهور هو إسحاق . وقال مجاهد وحده : إنه إسماعيل ، وهو مردود بقوله - وبشرناه بإسحاق - وقد قدمنا تحقيق هذا المقام بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره ( فأقبلت امرأته في صرة ) لم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان ، وإنما هو كقولك : أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي ، كذا قال الفراء وغيره ، والصرة الصيحة والضجة ، وقيل الجماعة من الناس . قال الجوهري : الصرة : الضجة والصيحة ، والصرة : الجماعة ، والصرة الشدة من كرب أو غيره ، والمعنى : أنها أقبلت في صيحة ، أو في ضجة ، أو في جماعة من الناس يستمعون كلام الملائكة ، ومن هذا قول امرئ القيس : فألحقه بالهاديات ودونه * جراجرها في صرة لم تزيل وقوله ( في صرة ) في محل نصب على الحال ( فصكت وجهها ) أي ضربت بيدها على وجهها كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب . قال مقاتل والكلبي : جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبا ، ومعنى الصك : ضرب الشئ بالشئ العريض ، يقال صكه : أي ضربه ( وقالت عجوز عقيم ) أي كيف ألد وأنا عجوز عقيم ، استبعدت ذلك لكبر سنها ، ولكونها عقيما لا تلد ( قالوا كذلك قال ربك ) أي كما قلنا لك وأخبرناك قال : ربك فلا تشكي في ذلك ولا تعجبي منه ، فإن ما أراده الله كائن لا محالة ولم نقل ذلك من جهة أنفسنا ، وقد كانت إذ ذاك بنت تسع وتسعين سنة ، وإبراهيم ابن مائة سنة ، وقد سبق بيان هذا مستوفي ، وجملة ( إنه هو الحكيم العليم ) تعليل لما قبلها : أي حكيم في أفعاله وأقواله ، عليم بكل شئ ، وجملة ( قال فما خطبكم أيها المرسلون ) مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر ، كأنه قيل : فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من الملائكة ، والخطب الشأن والقصة ، والمعنى : فما شأنكم وما قصتكم أيها المرسلون من جهة الله ، وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلكم سوى هذه البشارة ( قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ) يريدون قوم لوط ( لنرسل عليهم حجارة من طين ) أي لنرجمهم بحجارة من طين متحجر ، وانتصاب ( مسومة ) على الصفة لحجارة ، أو على الحال في الضمير المستكن في الجار والمجرور ، أو من الحجارة لكونها قد وصفت بالجار والمجرور ، ومعنى ( مسومة ) معلمة بعلامات تعرف بها ، قيل كانت